عبد اللطيف البغدادي
25
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر
وستون ذراعا . وأرى هذا القياس خطأ ، ولو جعل العمود أربعمائة ذراع ، لصح قياسه ، وإن ساعدت المقادير تولَّيت قياسه بنفسي ، وفي أحد هذين الهرمين مدخلٌ يلِجه الناس يُفضي بهم إلى مسالك ضيقة ، وأسراب متنافذة ، وآبارٍ ومهالك وغير ذلك مما يحكيه من يلجه ويتوغله ، فإنّ ناسا كثيرين لهم غرام به وتخيل فيه ، فيوغلون في أعماقه ولا بد أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه ، وأما المسلوك فيه المطروق كثيرا فزلاقه تُفضي إلى أعلاه ، فيوجد فيه بيتٌ مربّعٌ فيه ناووس من حجر ، وهذا المدخل ليس هو المتخذ له في أصل البناء وإنما هو منقوب نقبا صُودف اتفاقا ، وذُكر أنَّ المأمون هو الذي فتحه ، وجلّ من كان معنا ولجوا فيه وصعدوا إلى البيت الذي في أعلاه فلما نزلوا ، حدثوا بعظيم ما شاهدوا وأنّه مملوءٌ بالخفافيش وأبوالها حتى يكاد يمنع السالك ويعظم فيها الخفاش حتى يكون في قدر الحمام وفيه طبقات ، وروازنه نحو أعلاه وكأنها جعلت مسالك للريح ومنافذ للضوء ، وولجته مرة أخرى مع جماعة وبلغت نحو ثلثي المسافة فأغمى علي من هول المطلع فرجعت برمق . وهذه الأهرام مبنية بحجارة جافية يكون طول الحجر منها ما بين عشر أذرع إلى عشرين ذراعا وسمكه ما بين ذراعين إلى ثلاث وعرضه نحو ذلك ، والعجيب في وضع الحجر بهندام ليس في الإمكان أصح منه بحيث لا تجد بينهما مدخل إبرة ولا خلّل شعرة ، وبينهما طين كأنه الورقة لا أدري ما صفته ولا ما هو ، وعلى تلك الحجارات كتابات بالقلم القديم المجهول الذي لم أجد بديار مصر ، من يزعم أنه سمع بمن يعرفه ، وهذه الكتابات كثيرة جداً حتى لو نقل ما على الهرمين فقط إلى صحف ، لكانت زهاء عشرة آلاف صحيفة ، وقرأت في بعض كتب الصابئة القديمة أن أحد هذين الهرمين هو قبر عاذيمون ، والآخر قبر هرميس ويزعمون أنهما نبيان عظيمان ، وأن ( عاذيمون ) أقدم وأعظم . وأنه كان يحج إليهما ويهوى نحوهما من أقطار الأرض ، وقد وسعنا القول في المنقول من الكتاب الكبير فمن أراه التوسعة فعليه ، فإنّ هذا الكتاب مقصور على المشاهد . وكأن الملك العزيز عثمان بن يوسف لما استقل بعد أبيه ، سوّل له جهلة أصحابه أن يهدم هذه الأهرام فبدأ بالصغير الأحمر وهو ثالثة الأثافي .